مائدة الارواح

اذهب الى الأسفل

مائدة الارواح

مُساهمة من طرف sasa في الثلاثاء مارس 04, 2008 12:10 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

عشرون عاما وعبد القادر يسلك هذا الطريق ذهابا وإيابا، يعرف كل شبر منه، لو أغمض عينيه لما أخطأ الوصول. فقط منذ سنة أصبح يخطئ في جزء من الطريق عندما يكون عائدا ليلا إلى البيت، صار لزاما عليه أن ينتبه عندما يمر خلف إحدى البنايات المهجورة، ثم إلى سبيل ضيقة عبَّدتها الأقدام منذ سنين. عليه أن لا يسلك السبيل المشابهة الذي يمر أمام البناية نفسها ثم ينتهي داخلها، وعليه حينئذ إن أخطأ أن يعود أدراجه حتى مفترق السبيلين. هو لا يدري، لم يخطئ كثيرا هذه الأيام، وفي هذا الموضع بالذات، استنصح صديقا فرد عليه ساخرا: " يبدو أنك تخشى أشباح الليل يا صديقي!!".

لم يكن يخاف؛ لأن عشرين سنة من سلوك هذا الطريق جعلت حركاته لا إرادية، ولم يحدث طيلة هذه السنين أمر يدعو إلى الخوف. أصبح الخطأ في الطريق يزعجه، يدق قلبه عندما يقترب من المكان، يرفع درجة انتباهه، ومع ذلك يخطئ!!.

لكن ما حدث في تلك الليلة -ليلة العطلة الأسبوعية- كان مختلفا، كانت زوجته وأولاده ينتظرونه كالعادة داخل صالة البيت، فجأة انبرى الولد الأصغر: "نشرة الأخبار بدأت ولم يحضر أبي". قال الولد الآخر: "ربما تحول إلى السوق ليشتري شيئا".

ـ ترى ماذا سيشتري لنا؟ قال الولد الأصغر.

ـ ربما حلويات، أنسيت أن هذه الليلة هي ليلة الجمعة، وأبي يذهب مع أصحابه لحضور مائدة الأرواح ويترك لنا الحلويات؟!

هنا نطقت الأم بحزم: "كم مرة نهيتك عن ترديد هذا الكلام؟ أما تسمع؟!".
دق الباب، هب الولد الصغير صارخا: أبي. قالت الأم: "ليس هذا طَرْق أبيك". ودخلت ابنة الجيران وهي تحمل قصاصة ورق مطوية: "هذه الورقة من أبي لعمي عبد القادر". عبد القادر في تلك الليلة ملئ حيرة وارتباكا، لا لأنه أخطأ الطريق كالعادة؛ بل لأن الطريق ذاتها تغيرت. لقد كان جيد الانتباه، لم يكن قلقا، بل كانت الفرحة تغمره؛ لأن ليلة "مائدة الأرواح" هي أكبر ما يمتعه في الحياة. سيقضي ليلة كاملة في سعادة غامرة، سيعيش في عالم آخر بعيد، يتلمس فيه كل الآمال والرغبات، حتى غير المعقول منها.

دار إلى اليسار في كامل وعيه، وعندما أراد أن يلف حول البناية المهجورة فوجئ بانمحاء الطريق تماما. في حين أن الطريق المؤدية إلى داخل البناية جيدة الوضوح، سلك الطريق الواضحة ووجد نفسه بين جدران البناية. هو لا يذكر متى دخلها آخر مرة، ولكنه يذكر جيدا أنها كانت ملأى أوساخا وأحجارا، وعلى جدرانها كتابات صبيانية، لكن ما يراه الآن مختلف تماما؛ الأرضية نظيفة وكذلك الجدران، الأجواء عبقة برائحة الكافور، يذكره هذا برائحة الموتى، وتمتزج دهشته بخوف غريب. "ترى من أحدث كل هذا؟" يحدث نفسه "متى؟ ولأي غرض؟" عندما تعود على الظلام تماما أبصر في وسط الغرفة شيئا داكنا، اقترب أكثر، اقشعر بدنه، إنه قبر. حاول أن يتغلب على خوفه، حدث نفسه أن صاحب البناية ربما اتخذها مقبرة للعائلة، ترى من هذا المقبور حديثا؟ لم يسمع أن أحدا من القرية مات هذه الأيام.

اقترب أكثر من القبر، أشعل عود ثقاب ليقرأ اللوحة المثبتة عليه: "المرحوم عبد القادر الكتبي ابن خليل الكتبي وفاطمة الرياحي. المتوفى يوم الجمعة 11/8/1998".
هذه المرة عصفت به المفاجأة حتى أغمي عليه. عندما استيقظ هب مهرولا لا يلوي على شيء، اتجه صوب المدخل، لم يجده ووجد القبر أمامه مرة أخرى، نفر إلى الجدار الآخر ومرة أخرى يجد القبر ماثلا أمامه. جلس على الأرض، نكس رأسه، صمت القاعة لا يقطعه سوى أنفاسه اللاهثة، ودقات قلبه التي تكاد أن تهد قفصه الصدري. في صحوة عابرة قرص نفسه ليتأكد من أنه ليس كابوسا، وفي حركة مهتزة اقترب من القبر مرة أخرى وقرأ اللوحة ثانية، تأكد من أن الاسم المكتوب هو اسمه واسم أبيه وأمه. وتاريخ الوفاة ؟ إنه يذكره بشيء، إنه مثل هذا اليوم بالضبط قبل سنة. يشعر بصداع حاد ثم دوار، عيناه تتيهان في الغرفة دون أن تريا شيئا، خطر له الصراخ فلم يسعفه حلقه الناشف، همَّ برفع يديه ليقول يا إلهي، شلل يمنعه من ذلك، الخدر في أوصاله يدب، يشعر أنه لم يعد جسما ماديا. نقطة ضوء في الجدار ترمقه، النقطة تكبر وتكبر، وعيناه تحملقان فيها، النقطة تتحول إلى عين بشرية كبيرة تملأ الجدار، بياضها محمر وحدقتها تشع ضوءا ناريا، يحاول عبثا أن يصرف بصره عنها، العين مغناطيس يجذبه، يشعر أنها ستحرقه بنار غضب عارم، يتكور كالهلام وعيناه لا تملكان الالتفات عن العين الجدارية الغضبى، يحس أنه يسير نحوها بسرعة هائلة، يدخلها، يتحول على نقطة كثيفة، ينفذ إلى ضوء أبيض غامر، لا يرى شيئا سوى البياض.

تدريجيا يرتفع البياض كضباب منقشع، هو الآن يرى بوضوح ما حوله، أرض سمراء منبسطة، سماؤها رمادية، يتراءى له جسم بعيد، يهرول نحوه بلا وعي، إنه جسم امرأة عارية، تتحرك في أوصاله كراهية عنيفة نحوها، يمسك بخناقها، تذوي أمامه وتتلاشى.

"لقد أصبحت أفضل اليوم" تصل إلى مسامعه هذه الكلمات الرقيقة التي يعرفها جيدا، ويفتح عينيه ليرى زوجته وهي تهديه ابتسامة ملؤها الحنان، اكتشف أنه على سريره في غرفة نومه، بادلها الابتسامة ثم لم يلبث أن تقطب جبينه، وتساءل: "ماذا؟ ..." وتمردت عليه الكلمات.

ـ "آه لو رأيت نفسك البارحة عندما جاءوا بك، حسبتك جننت، كم خفت عليك لعنة الأرواح لأنك لم تحضر مائدتهم الليلة الفارطة، وهي ذكرى مرور سنة على أول مائدة للأرواح تحضرها".

وبالكاد ينطق: "لا، لا تصدقي ذلك، لا وجود لمائدة الأرواح".

ـ "لا تجهد نفسك الآن، خذ، هذه ورقة أرسلها لك جارنا البارحة".

قرأ الورقة، وتمتم: " شكرا لك أيها الصديق الوفي، لقد أنقذتني من الإثم، حقا إنها تمثيلية رائعة، تمثيلية القبر. أقسم لك، لن أعود بعد اليوم إلى تلك العشبة اللعينة!".

sasa
avatar
sasa
المشرفون
المشرفون

ذكر عدد الرسائل : 130
العمر : 29
المزاج : متقلب
تاريخ التسجيل : 19/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مائدة الارواح

مُساهمة من طرف sasa في الثلاثاء مارس 04, 2008 12:11 pm

النقد والتعليق:

تنبع أهمية الفن من قدرته على ضبط سلوك الفرد واستفزازه للروح الإنسانية الكامنة فيه، وكثيرة هي الأعمال التي اتكأت على منطلقات مجتمعية بغية التبصير ونشر القيم، وعادة ما يطلق على هذا النوع من الكتابات "الأدب المسئول".

وفي قصة "مائدة الأرواح" يدخل بنا القاص محمد الحبيب مشري مباشرة إلى عالم قصته دون استخدام أية مقدمات سردية، فنحن أمام "عبد القادر" الذي يصفه الراوي بأنه منذ عشرين عاما يسلك نفس الطريق، ويحفظه جيدا، ثم يصف ما آل إليه حاله تلك الليلة، وكيف تعثر، ثم يعمد الكاتب إلى إدخال حالة الترقب والتوتر في الأسرة، وكيف قلقت زوجته وأولاده لتغيبه.

ثم ينتقل بنا الكاتب إلى تلك البناية المهجورة التي دخلها عبد القادر، ليفاجئنا ويفاجئ نفسه بوجود قبر يحمل شاهده اسمه واسم أبيه وأمه، ويحمل تاريخ وفاته الذي يرجع إلى عام مضي. لماذا عام مضي؟ لماذا عام بالتحديد؟ ربما تجيب الأحداث التالية. ثم تبتدئ مقدرة الكاتب على الارتقاء باللحظة القصصية الدرامية؛ إذ يصف حالة بطله المضطربة الناتجة عن هذه الصدمة، فنجده يشعر بصداع، ويبدأ في الانهيار ثم يفيق على صوت زوجته، ليكتشف أنه كان نائما في بيته، لكنه يكتشف أيضا أنه لم يكن يحلم، يحدث هذا عندما تخبره زوجته أنها قلقت عليه عندما رجعوا به أمس وهو متعب، وخوفها من أن يصيبه أذى بسبب عدم حضوره مائدة الأرواح التي يواظب على حضورها مع أصدقائه منذ عام مضى.

وهنا يلوم عبد القادر نفسه قائلا: "لن أعود بعد اليوم إلى تلك العشبة اللعينة". إذن فالأمر منذ بدايته هلاوس نتجت عن تعاطي المخدر، وهنا نكتشف لماذا حمل الشاهد على القبر تاريخ عام مضى؛ إذ هو تاريخ بداية انتظامه في حضور جلسة الأصدقاء المسماة "مائدة الأرواح" لتعاطي المخدر.

والكاتب قد برع في توفير قدر كبير من التشويق، واستطاع أن يمسك بقوة بزمام اللحظات الدرامية، ولقد نجح في استخدام أسلوب السيناريو السينمائي، بحيث يقطع القصة إلى عدة مشاهد متتابعة ومتداخلة، وينتقل من مشهد لآخر، وهكذا.

والقاصّ يمتلك آلية القص بالفعل، كما يمتلك وعيا تجاه قضايا مجتمعه، وقدرة على نقد بعض ممارسات هذا المجتمع، كما يمتلك رغبة قوية في إصلاح هذه الممارسات الخاطئة، إلا أن الأمر يتطلب منه جهدا أكبر في كتابة القصة؛ فالقصة القصيرة الناجحة لا تعتمد فقط على التشويق والإثارة؛ بل يجب أن تتوافر بها آليات عديدة في الكتابة؛ لأن هناك وسائط إبداعية أخرى مهمة ربما أهمها هو رصد تلك اللحظات الإنسانية الصغيرة والخاصة في حياة الفرد، والتركيز على المسكوت عنه في رحلة الإنسان الحياتية.

كما أطالب القاص بالتجريب في كتابة النص السينمائي؛ لأنه يمتلك أدوات كتابته ولا ينقصه سوى امتلاك بعض الأساليب الحرفية التي يمكنه من خلالها الإلمام بهذا الفن، ويمكن أن يتوافر ذلك في الكتب المتخصصة في هذا الفن والتي تتناول حرفية كتابة النص السينمائي، وأيضا هناك جهات عديدة تعطي دراسات حرة في هذا المجال، وهناك الآن عبر شبكة الإنترنت الكثير من المدارس والورش الفنية المتخصصة في ذلك
avatar
sasa
المشرفون
المشرفون

ذكر عدد الرسائل : 130
العمر : 29
المزاج : متقلب
تاريخ التسجيل : 19/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى